إذا اختفى الرسم والنحت هل سنكون سعداء بعالم متخيل لا ينتج جمالا؟

المقاله تحت باب  محور النقد
في 
09/02/2011 06:00 AM
GMT



 تقول الوقائع أشياء كثيرة تقع خارج ما نتوقعه. ذلك أمر طبيعي. غير أن الكثير من متابعي الشأن الجمالي في عالمنا العربي لا يزالون غير قادرين على فتح أعينهم على وسعها على ما يجري في العالم للفن التشكيلي (البصري حسب اللغة المستعملة هذه الأيام). إنهم لا يرغبون في تصديق ما يجري. فهل حقا سيختفي الرسم؟ إنه ليس سؤالا بقدر ما هو احتجاج.

إنهم يراهنون على بقية باقية من روح الرسم لا يزال في إمكانها أن تصنع معادلة للتوازن بين مخيلة أعماقهم وبين العالم الخارجي. عبر عقود طويلة صنع الرسم تاريخا للجمال. من نساء وهبهن الرسم هالة الاسطورة كما هو حال موناليزا إلى مشاهد طبيعية استلها الرسام من الطبيعة في لحظة يأس لتكون في ما بعد شعارا للأمل كما هو حال زهرة عباد الشمس لفنسنت فان كوخ. لقد اجترح الرسم معجزات كثيرة صارت جزءاً من عاداتنا، واختلط المتخيل منها بآليات وعيني الواقعي. قدر عظيم من إنسانيتنا قد صنعه الرسامون وهم يقولون من خلال أعمالهم ان الجمال لا يفنى، وانه قادر على تجديد عافيتنا الروحية، بل وحتى الجسدية، وانه الممكن الوحيد الذي يكون في إمكانه أن يعيد للحواس ثقتها بالعالم. كان الرسم بالنسبة للكائن البشري عنصر تجديد لثقته بالعالم الذي يقترب من حافة فقره الخيالي وقبحه بسبب ما يفعله البشر أنفسهم.

لمَ لا نذكر النحت. فهو الآخر فن مهدد بالزوال. لقد عرفت البشرية النحت منذ فجر التاريخ ممتزجا بطقوسها السحرية والدينية، بل يمكننا أن نجزم بأن الكثير من الأديان ما كان لها أن تبقى راسخة في التاريخ لولا ما خلفه أتباعها المأخوذون بسحرها الخفي من منحوتات تشير إليها. لا يمس كلامنا الوثنية وحدها، بل ان المسيحية وهي دين توحيد قد استنهضت صورتها متجددة في عصر النهضة من خلال النحت (نذر مايكل انجيلو حياته كلها لمهمته الرسولية). وبعيدا عن الأديان فان النحت قد نجح في وضع خلاصات لطبيعة علاقتنا بالكتلة، التي تكاد أن تستهلك الجزء الأكبر من علاقتنا الحسية بالمادة التي يتكون منها عالمنا، من طائر برانكوزي الرشيق إلى أشباح جياكومتي الذين يشبهوننا في لحظة حيرة وقلق ويأس مرورا بأبهة كائنات هنري مور المنتظرة بسعادة لحظة انبعاثها. كان النحت يطوقنا بإلهام انعتاقنا من علاقة واقعية تبقينا قيد تداول الطبيعة. كانت حرية أجسادنا قدرا عزيزا قدمه النحت لنا بتواضع مفعم بالكرامة. كان النحت كريما وهو يتوسع في تأويل وجودنا الجسدي. وإذا ما كان النحاتون دائما أقل من الرسامين في كل العصور، باستثناء العصور التي لم تعرف الرسم، فلأن النحت هو فن اختصار المسافات في حين كان الرسم ولا يزال هو فن توسيع المسافات. كان النحاتون أقل لأنهم كانوا أشبه بالبذرة التي تختصر الشجرة. كان الرسامون أشجارا وفق ذلك التعبير.

الآن لم تعد هناك حاجة لا إلى البذرة ولا إلى الشجرة حتى. 'فبماذا نزين حدائقنا الروحية؟' يتساءل الكثيرون ممن يشعرون أن غياب الرسم سيجعل العالم أقل جمالا. وان غياب النحت سيترك فراغا كبيرا لن يكون في إمكان الجنيات أن تملأه. 'كان النحت يهبنا كائنات ضرورية'. نعم. لقد اكتشفت ذات مرة بين الأشجار تمثالا لرجل يمسك قلما ويكاد أن يحلق وعرفت من خلال كتابة أُلصقت بذلك التمثال ان الرجل كان أول رئيس تحرير لجريدة البلدة التي أقيم فيها. كم كان ذلك التمثال ضروريا. اما الرسم فان قدرا هائلا من اشراق التجربة الروحية لا بد من أن يمر به ومن خلاله. ما فعله بيكاسو حين توقف عند جمالية أن نرى جانبيا وأماما في الوقت نفسه ستبقى حدثا استثنائيا في كل المقاييس. بسبب تلك المحاولة الالهامية سيشعر الإنسان بانه الكائن الذي رأى كل شيء فعلا. كان غلغامش نوعا من وحيه الصادق إذن. في كل واحد منا هناك غلغامش يبحث عن عشبة خلوده. صدقنا الرسم. وكان علينا أن نفعل ذلك. وأنصتنا إلى الأصوات التي تأتينا من أعماق المنحوتات، وكان ذلك جزءاً من صيرورة الخلق التي تربينا عليها.
الآن لا رسم ولا نحتاً. ترى ما الذي سيكون عليه شكل العالم الذي يحيط بنا؟

أفزع كثيرا حين يقال لي أن مفهوم الجمال لم يعد نافعا بل حلت محله الفكرة. وهذا هو ما يجري واقعيا. المطلوب منك حين تدخل إلى أي معرض للفنون الجديدة أن تفكر لا أن تشعر باللذة الجمالية. 'لقد مضى عصر الجمال'. ستقول، ولكنني كنت أفكر أثناء شعوري بتلك اللذة المدهشة. لن تجد من يجيبك على جملتك الاستفهامية تلك. هناك فراغ هائل بين حاجة المتلقي وبين ما تمليه الفنون الجديدة من تعليمات. وهي تعليمات في حقيقتها لا تمت إلى الحراك الفني بصلة، بقدر ما هي خلاصات لما تحاول المؤسسات الفنية تثبيته في خيال المتلقي. ما تريد أن تقوله تلك المؤسسات بسطوة جبروتها المالي ان هناك فنا لا يمت بصلة لما عرفناه من قبل، فنا لا يشق طريقه عفويا، بل بقوة المال وسلطته، هو ما سيكون بمثابة البديل لفكرتنا عن الفن. 'هذا هو الفن وما عداه فلا'. ليست الجملة السابقة مخفية بين السطور، بل انها قيلت في العديد من المناسبات. كل تظاهرة فنية معاصرة تكاد أن تكون صورة مرئية لتلك الجملة. لم يعد هناك مفهوم للفن سوى ما تعرضه الفنون الجديدة وليذهب الآخرون إلى البحر.

ما كنت اتمنى من موقعي ناقدا فنيا أن تنتهي الامور إلى هذه النتيجة المخيبة. ولكنه الواقع الذي يجب ان نعترف انه انتصر على سوانا قبلنا، ممن كانوا أكثر قوة منا في هذا المجال بالذات. ينبغي علينا أن لا نتخيل أن الاوروبيين كلهم سعداء بالفنون الجديدة.
' شاعر وناقد من العراق يقيم في السويد